حتى جاء يوم ما
شاركة فنّاني وفنّانات جاليري 8P: طال بونايل، ينون خلفون، كرميلا ڤايس، سالي كريستال، رونيت ميرسكي، روتم بيدس، تمار ليڨ أون
القيّمة: ليطال ماركوس مورين
23.4.26-2.7.26
“ليس من دواء، أمغم البؤساء، غير أن يتعلقوا بأهداب الأمل”[1]، كتب ويليام شكسبير في بدايات الحداثة، مشيرًا إلى ازدواجيتها: ليست ميزة سامية، بل هي آلية بقاء لمن لا يملك اليقين.
تبلور معرض “حتى جاء يومٍ ما” خلال الحرب الإيرانية الأولى. وقد تأجلت تواريخ الإقامة والافتتاح مرارًا وتكرارًا على خلفية الحرب الإيرانية الثانية، بدافع الأمل في أن تتوقف الحرب بنضوج موعده.
ضمن هذه الظروف، يسعى المعرض إلى العودة إلى نقطة التوتر هذه، وفحص الأمل كحالة وعي تعمل داخل زمن “حتى أن”.
“حتى جاء يوم ما” هي مقولة مفتوحة. تستند إلى المستقبل، لكنها لا تُعرّفه. إنها لفتة لغوية تُنتج حركة دون أن تحدد لها غاية؛ صياغة تربط الحاضر بحدث مستقبلي لم تُحسم صورته بعد. قد ينطوي على انهيار، أو إصلاح، أو نسيان، أو ربما تحوّل. داخل هذا الحيّز من الإمكانات، يعمل الأمل كتدريب على الصمود: فعلٌ متكرر يتمثل في التمسك بإمكانية ما حتى حين تزعزعها المعرفة.
يتجسد التوتر في المعرض في المادة، وفي الصورة وفي اللغة: فالمادة تحمل آثار حدث دون أن تحسم معناه؛ والصورة تثبّت لحظة لكنها تتركها مفتوحة لإعادة القراءة؛ أما اللغة فتتجه نحو المستقبل، تعد، وتُبقي شرخًا في تحققها.
في أعمال كرميلا ڤايس، ما يبدو للعين لا ينكشف بسهولة. تعمل الأشياء كمساحات من الانغلاق والتأجيل؛ ويتوقف النظر عند عتبة الاكتشاف.
العمل صباحٌ ما مبنيّ كصندوق مغلق وفق نسب القطع الذهبي، وفي داخله يختبئ مصدر صوتي: أغنية شعبية إنجليزية من القرن الثامن عشر، Early One Morning، تصف امرأة شابة ترثي حبيبها الذي هجرها. يتحول الانغلاق الشكلي إلى صندوق رنين للفقدان، حيث يبقى الرثاء حبيس داخل غلاف من نظام رياضي كامل.
أما العمل بلا عنوان فهو كوحدة كاملة ومتماسكة تذكّر بمونوليث — جسد مغلق ومحكم يلمّح إلى محتوى داخلي لا يُكشف. يحافظ هذا الشيء على توتر بين الاستقرار الفيزيائي وما يبقى محتجزًا داخله، غير متاح للنظر.
في العمل مصدر المياه الكثيرة، بركة من حجر بركاني، تطفو بذور الدفلى السامة على سطح ماء عكر، فتشحَن البركة بتوتر بين الحيوية والفناء.
في العمل عين، تُطرّز سالي كريستال هشاشة الرؤية في قلب واقع مضطرب. تستخرج نسيج خيوط سوداء من أرضية تتفكك وتختفي، تاركة ما يشبه مقطعًا تشريحيًا لعين يبدو كأنه يطفو في الفراغ.
يطمس الظل حدوده، بما يزعزع التمييز بين المادة وظلها، ويشكك في ثبات الفئات الإدراكية التي يتم وفقها التعرف.
يقوم عمل التطريز على أفعال الوصل والتثبيت: فسيرورة العمل متكررة ومحسوبة، وفيها يحمل كل خطأ تهديدًا بالانفراط.
في سن السادسة عشرة، قامت مُدرّسة ينون خلفون بتدوير زاوية الصورة الفتوفرافية، قبل أن أعرف، المعروضة في المعرض. فعلٌ بسيط تبلور لاحقًا إلى موقف في عمله، يعيد تعريف شروط الوجود عبر النظرة: الانقلاب كطريقة للرؤية. فالنظر لا يوثق الواقع، بل يعيد تعريفه عبر الإزاحة.
بعد سنوات من التقاط الصورة، تنزاح النظرة خطوة إضافية، من المُصوّر إلى الصورة نفسها، التي تحمل آثار مرور الزمن. الصورة، التي تبدو جامدة ظاهريًا، تحتوي حركة: لحظة محفوظة، ومع ذلك تظل مفتوحة لإعادة القراءة. تُثبّت الصورة لحظة تشتت، لكنها لا تغلقها: تبقى الحركة مشدودة، تؤجل اللحظة دون أن تثبتها.
تتناول أعمال رونيت ميرسكي المادة والذاكرة كممارسات للتغيير. في العمل رماد وذهب، تُنسج جذوع أشجار متفحمة جمعتها من جبال يهودا عقب حرائق 2025 بخيوط ذهبية، في عملية التئام ذات طابع خيميائي. لا تسعى ميرسكي إلى محو الصدمة، بل تشير إلى الكسر كموقع محتمل للإصلاح.
أما العمل فضة وزيتون فيتجه نحو فضاء من اللايقين. على سطح فضي يشبه المرآة، يُنتج نقش دقيق لشجرة انعكاسًا مشوشًا، يضع المشاهد في عملية بحث وتوجيه. لا تسعى المرآة إلى إثبات الواقع، بل إلى تحديه، ووضع المتلقي داخل منطقة من عدم اليقين، بين خيال شعري ومستقبل لم يتشكل بعد.
في سلسلة مطبوعات شجرة رقم 1 و شجرة رقم 2، تنقل روتِم بيدِس إلى الورق آثار جذوع أشجار من رافنسبرُك – أكبر معسكر اعتقال للنساء في ألمانيا، والذي تحول لاحقًا إلى معسكر إبادة. تستخرج صوتًا من صمت المشهد، وتحول الشجرة إلى شاهد يحمل ترسبات الماضي في أليافه.
يعمل هذا العمل على تقويض المسلّمات التأريخية، ويقترح إمكانية النظر إلى الجرائم ضد الإنسانية كأحداث تترك أثرًا في الذاكرة الثقافية وكذلك في الذاكرة المادية للبيئة. خلال ذلك، يطرح العمل قراءة للتاريخ عبر النبات، عبر حلقات الجذع التي تحمل تسجيلات السنوات التي وقعت فيها الفظائع.
في العمل “أركا”، يحوّل طال بونايل الفضاء الأرشيفي إلى فخ لغوي نابض. من خلال رسالة ضخمة بلا علامات ترقيم، بلا مُرسل إليه ولا توقيع، يذيب لغة النظام المقتضبة والمغلقة داخل شظايا ذاكرة حميمة تسعى لتتبع آثار أخيه يهودا، الذي توفي في طفولته المبكرة.
“صندق” (أركا في اللاتينية)، هو في آنٍ واحد ملاذ ومكان احتجاز. أرشيف بونايل ليس قاعدى بيانات معرفة، بل آلية إرجاء، تُبتلع فيها الرغبة الشخصية داخل لغة المؤسسة وتتفكك فيها.
أما عمل تمار ليڨ أون ، بدون عنوان، من سلسلة أوجاع، فيُعرض هنا كوحدة واحدة، منزوعة من سياقها الأصلي. يزيح النظر من التسلسل إلى التريث، ويضع المشاهد أمام فعل بسيط لكنه متطلب: أن يلحظه. الدائرة المضيئة التي تنفتح من حقل رسم داكن تقوم كموقع للتوجيه، مستندة إلى طبقات الرسم التي تتشكل منها.
علامة تلو أخرى، وعلى سطح يزداد قتامة، تتشكل محاولةٌ للإمساك بإمكانية ما حتى حين يتفكك الاستقرار.
_
[1] من مسرحية “العين بالعين” (حوالي 1604)، الفصل الثالث، المشهد الأول، من كلام كلاوديو: “The miserable have no other medicine / But only hope.”